إثنى عشر قرنا

في حياة أمة

 


المهنة التي حيرت جميع المغاربة؟!

كتبهاجريدة غربال القرويين ، في 21 يناير 2009 الساعة: 19:32 م

(المقدمين والشيوخ)

                                   

المهنة التي حيرت جميع المغاربة؟!

 

وسط الزحمة التكنولوجية التي تتسابق فيها العقول الآدمية على امتداد الكرة الأرضية، نحو التفوق والسبق لتحقيق أرقام قياسية في تطوير وسائل تحصيل معلوماتها وتقوية مصادر أخبارها،وأساليب التقاطها،سواء عبر اختراعها أو تطويرها للوسائل السمعية البصرية كالأقمار الاصطناعية والرادارات،لاتزال الادارة الترابية ببلادنا،رغم هذا التطور الذي يعرفه العالم،تعتمد في تحصيل معلوماتها ورصد أخبارها على كائنات بشرية (المقدمين والشيوخ) تكوينها بسيط جداِ،إن لم يكن منعدما في غالب الأحيان،وتعتبرها القنوات المركزية في الوصول إلى الخبر وتصنيف المعلومة،

وتنبني على تقاريرها اليومية مصير شعب بأكمله، فهل حان الوقت نحن معشر المغاربة أن نرفع السؤال حول أي دور للمقدمين والشيوخ في زمن الإنترنت؟!

أجمع الفاعلون السياسيون وفعاليات المجتمع المدني المغربي،والضمائر الحية بالبلاد،أن المغرب يعيش مراحل انتقالية مهمة في حياته العامة،أكدوا على أن الرغبة في هذا الانتقال فرضتها مجموعة من الدوافع منها ما هو محلي،وما هو إقليمي،وما هو دولي باعتبارها ضرورة ملزمة لهذا البلد الإفريقي حتى لا يعيش خارج الزمن العالمي الجديد،خاصة وعالم اليم يعرف تحولات كبرى في مجالات،الإنترنت، وأنظمة الحاسوب،و التكنولوجيا،والهوائيات المقعرة،و… ، و…الخ، وأهم ركائز هذا الانتقال ودعاماته بالمغرب هو التحرك المتواصل لفعاليات المجتمع المدني على جميع الواجهات والأصعدة، لتعزيز مناحي الحياة الديمقراطية بالبلاد، وتوسيع هوامشها، التي يمكن اعتبارها المدخل المركزي لاختزال المسافات، وحرق الأشواط أمام هذا الانتقال، وكما يدرك الجميع أن هذا التحول،لن يتحقق هكذا بفعل الصدفة ،كما أنه لن يأتي محمولا على كف عفريت،إنما يحتاج إلى ترتيب مجموعة من الأوراق تهم بالأساس الحياة اليومية لعامة الناس،ومن بينها ملفات أعوان السلطة (المقدمين والشيوخ) التي تعبر بالنسبة للعامة من بين الملفات الساخنة والشائكة،التي وقفت مانعا في وجه جميع قنوات التحول والانتقال،وخاصة التحولات الديمقراطية بالمغرب،وأن مناقشتها تدخل في الخط الأحمر،أو الباب الممنوع!!

عند فتحنا لهذا الموضوع وجدنا أنفسنا ملزمين باستحضار ماضي تلك الأوراق البئيسة لمخلوقات كانت تستخدمهم السلط لتغيير وتحريف الإدارة الشعبية في جميع المناسبات الانتخابية السابقة ،وتجاوزات أخرى أساءت للإدارة المغربية بشكل عام ،وكذلك على الحدود الوظيفية لتلك (الرادارات) المتنقلة ومجالات اختصاصها،والخانة التي يمكن تصنيفهم داخلها:

هل هم موظفون؟ !عمال؟! حرفيين ؟! مؤقتين أم رسميين؟! كلها استفهامات يحاول هذا الملف الإجابة عن أكثرها،لكن الأمر الذي يبقى مؤكدا هو أن (المقدمين والشيوخ) يوجدون في وضع تسلل؟!

السلطة لم تعامل أعوانها بالمعروف ولم تسرحهم بإحسان؟!

إن الفصل رقم 33 ضمن ظهير فاتح مارس 1963،يخص فقط متصرفي وزارة الداخلية ،لكنه لم يصدر لحد كتابة هذه السطور،أي قانون ينظم وظيفة (أعوان السلطة) ويحدد حجم الأجور المخصصة لهم،والسلاليم التي سيترتبون فيها، وتعوضهم عن ساعات العمل الإضافية والأعياد والمواسم التي يستحيل بدونه تحقيق نظام التأمين  في حالات المرض والتنقل.

أعوان السلطة هم الدعامة الأساسية للسلطة، ورغم ذلك وتقليلا من شأنهم يسمونهم (أعوانا) رغم مجهوداتهم المتواصلة،والدؤوبة في صنع هذه السلطة نفسها،إذ كان الأجدر بتسميتهم (عيون) السلطة لأنهم في الحقيقة يعتبرون من الأجهزة الإخبارية الآدمية ،التي يحسب لها ألف حساب في رصد الأخبار والمعلومات،ونقلها بوجهيها الظاهر والباطن،وأبعادها المستقبلية،وانعكاساتها على السير العام،إن سلبا أو إيجابا وهذه الخاصية لا تتوفر في كل الخلق،بل هي خاصية انفرد بها المقدمين والشيوخ وامتازوا بها عن البقية الباقية من الناس، فليس أيا كان يصلح عونا للسلطة،إنما هناك شروط نادرة ،لا تتوفر في الجميع،إنها مواصفات (سحرية) يتمتع بها قليل من الناس،تختارهم السلطة لمهمة رصد الأخبار والمعلومات،إذ لا يمكن لجمد السلطة أن يستعمل ذراعا طويلة أو قصيرة إنما يختار هذا الجسد الهائل الذراع التي تلائمه وتليق به ،ويستطيع وبواسطتها تنفيذ مهماته، لذلك تبقى غالبية الناس تجهل طريقة اختيار السلطة لخدامها من المغاربة: هل بواسطة مباراة مفتوحة؟! أم هو اختيار شخصي من العون نفسه؟! أم أن السلطة هي التي تختار أعوانها ممن تراهم يصلحون لذلك؟!

أعوان السلطة هم الآلة التي تمهد الطريق أمام كل موكب وزاري أثناء التدشينات،الزيارات،الاستعراضات،المناسبات الوطنية و الدولية،والأنشطة الإشعاعية… ،ورغم ذلك لا تعاملهم السلطة بالمعروف ولم تضمن حقوقهم،وأبسطها وسائل النقل،ورغم الطواف اليومي والمستمر لجميع أطراف (السيكتور) لجمع المعلومات ورصد الأخبار،وإجراء البحوث لانجاز وثائق السكان والتأكد من معلوماتهم،وكذا مراقبة الإصلاحات والأبنية العشوائية ،وما إلى ذلك من المهام التي تلزم العون بالطواف اليومي المتواصل والمتكرر لتركيز تواجد السلطة وضمان حقها في الضبط والتأطير،وهذه العملية لوحدها تتطلب وسيلة نقل خاصة للاضطاع بهذا الدور بشكل صحيح ومضبوط،لكن في غياب هذه الوسيلة أو أي تعويض يقابلها،يضطر العون (المقدم) إلى تدبير أموره بطرقه المعروفة وسياسة (سير حتى نجي عندك) ،وما يدعو للاستغراب أن هؤلاء (الأعوان) يأخذون تعويض (التنقل) من جيوب المواطنين عوض الاحتجاج والمطالبة بالحقوق المشروعة؟! بل منهم من يشغل هذا الجانب،ولا يكتفي بحق المحروقات (التنقل) فيجري وراء الاغتناء الغير مشروع،ويتسلل إلى كل الجيوب الخاصة منها أو العامة،فتظهر عليه النعمة،ومع ذلك تسكت عنه السلطة وتغمض عنه طرفها،لتضمن بذلك عدم احتجاجه أو مطالبته بحقوقه،في تحسين وضعيته.

ـ للأعوان حق التدخل في الشادة والفادة؟!

تعمل هذه الجيوش الآدمية من (المقدمين والشيوخ) على مدار الساعة، ن تكون حاضرة في كل الأماكن، دفعة واحدة،حاضرة بعيونها و آذانها،وأجهزتها السمعية البصرية من المواطنين (المخبرين) الذين يسخرون عيونهم وآذانهم لفائدة (المقدم) دون أجر أو ثواب؟! هذه المهمة الإخبارية للعون تحتم عليه رصد الأخبار،وتتبع حركات السكان وسكناتهم والإدلاء بتقارير يومية عن يوميات البعض منهم وخاصة النشطاء السياسيين والجمعويين،والفاعلين المدنيين.

للمقدم التدخل في كل شيء دون حسيب ولا رقيب، فقط يحكمه الخوف الذي يحمله بين ضلوعه منذ التحاقه بهذه المهنة التي لا تشبه المهن!! لأنه في غياب مدارس وطنية لتكوين أعوان السلطة،بطرق علمية أكاديمية تمكنهم من معرفة حدود دائرة اختصاصهم،للعمل داخلها بالطرق القانونية المعمول بها،بعيدا عن الخوف الذي يلازمهم من طرف السلطة،تبقى عملية الممارسة اليومية داخل شبكة المقاطعة أو(الملحقة الإدارية-حاليا) تفتح مجالا واسعا لرجالات السلطة في توجيه هذه الكائنات حسب شهيتها و قدرتها على الخلق والابتكار في دنيا الإدارة..الشيء الذي يجعل العون جاهلا لاختصاصاته، وتبقى الكرة في ملعب رجال السلطة يحركونها كيفما وأينما شاءوا؟!،ورغم الخدمات التي يقدمها أعوان السلطة إلا أن هذه الأخيرة لا تجازيهم حق الجزاء ولا تعطيهم قدر ما تطلب منهم،فهم مطالبون بمراقبة (الشادة والفادة) وجميع التحركات داخل المؤسسات والأحياء والقرى والمد اشر،وكذلك بتهييء الوثائق الإدارية داخل دوائر الداخلية مقابل أجرة لا ترقى إلى مستوى الصدقة،هذا يدفعنا إلى تصنيف (المقدمين والشيوخ) ضمن المخلوقات المحرومة من مجموعة من الحقوق،وليس لها الحق في إعلان ذلك “أو الجهر به” أو تنظيم وقفات احتجاجية أو أي شكل من أشكال التعبير الحضارية،أو مجرد التلميح إلى ذلك من حقها فقط العون من مسكن وملبس وماء وكهرباء واللوازم الضرورية الأخرى،إلا أن من بين هؤلاء الأعوان من تظهر عليهم آثار (النعمة) من خلال مسكن راقي وسيارة رفيعة وسجائر شقراء،حسب درجة الشيطنة التي يمتلكها الفرد منهم في الوصول إلى جيوب المواطنين واستدراجهم إلا أن هناك فئات واسعة منهم تعيش أوضاعا بئيسة،وتعترف بأن ضعف التعويض الشهري،يدفعها إلى تكملته من جيوب السكان،مع أن ذلك يشكل إمعانا في احتقارها و إهدار كرامتها،لكنها لا تجد عنه سبيلا،وقد يتفاقم هذا الوضع إذا ما توصلت سياسة صم الآذان،في تجميد الترقية وهزالة التعويض وضبابية العلاقة الرئاسية التي تربطهم بالعمال والتي تجعلهم عرضة لأي عقاب ولو كان مزاجيا، في

سلاليم الوظيفة العمومية لم تبرح مكانها.

ـ على امتداد نصف قرن من الزمن المغربي؟!

فأنا لهذا المخلوف (الأواكس) من تدبير يومياته بتعويضات هزيلة،ورغم ذلك لا يملك حق المطالبة بتحسين أحواله أو استعمال أي شكل من أشكال الاحتجاج،لأن (سمطة) السلطة أطول من احتجاجاتهم وهم أعلم الناس ب(صهد المخزن)؟! إذا كان كل شيء في هذا البلد يبدأ ب(المقدم) وينتهي إليه فإن

بناء دولة الحق والقانون يجب أن تنطلق من (المقدم) باعتباره خادما من خدامها الأوفياء،في خطاباته والرامية إلى اعتماد أسلوب جديد لممارسة السلطة أو ما يسمى: (لمفهوم الجديد للسلطة) وذلك عن طريق تحسين الوضعية المالية والإدارية للأعوان وإدماجهم في سلاليم الوظيفة العمومية ،وتعويضهم عن ساعات العمل الإضافية والإجازات السنوية ،وتمكينهم من الاستفادة من نظام التأمين عن المرض والتنقل ،وينتهي البناء بمعاقبة (المقدم) وإنزال أقصى العقوبات في حقه إذا تطاول على جيوب السكان بعد تحسين وضعيته ،والى غاية تحقيق هذا المطلب الأساسي ،نتمنى أن يحترم (المقدمين والشيوخ) الوضعية العامة للمواطنين وخاصة البسطاء منهم ،وألا يتسللوا إلى جيوبهم تطبيقا للمثل الشعبي (اللي غلب يعف) فإلى متى سيظل هذا (الراديو) يعمل صباح مساء دون تجديد ساعات العمل؟! يعمل على بث إرساله دون انقطاع وبغير نظام؟! ألا يرى المسئولون لمن هذا المخلوق أصبح يعيش في زمن مغربي عصري حديث، وفضاء حقوقي أكثر صفاء مما كان في السابق؟! زمن يصعب فيه الضحك على ذقون المواطنين، كما يصعب فيه العيش بالتعويضات؟!

 

 

                                          أعد الملف: إدريس روضي

    

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قضية | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من التعليق